محمد سعيد رمضان البوطي

344

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

بعده ، ولئن كانت الحكمة الإلهية اقتضت أن لا يأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على أصحابه عهدا بذلك وأن لا يسجل لهم كتابا به ، فكل ذلك كي لا يصبح توارث الحكم والخلافة سنّة متبعة من بعده ، وفي ذلك من مفسدة القضاء على اتباع شروط الصلاح في الحاكم ما هو غير خاف على أحد . الرابعة : استخلافه رضي اللّه عنه للصلاة بالناس في مكانه ، ولقد رأيت مدى شدته في تعيين أبي بكر لذلك وردّه الشديد على عائشة رضي اللّه عنها فيما راجعته به . ولئن كنا نقول إن هذه المزايا الثابتة في صحاح الأحاديث لأبي بكر رضي اللّه عنه ، هي التي رجحت مبايعة المسلمين له بالخلافة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فهذا لا يغض من خصائص وميز الصحابة والخلفاء الآخرين خصوصا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، فقد رأيت أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال في غزوة خيبر : « لأعطينّ هذه الراية غدا لرجل يحبه اللّه ورسوله » ، فذهب الناس يتساءلون في تلك الليلة من سيكون صاحب الراية . فكان صاحبها هو علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه . ولقد انتهى أمر الخلافة وأبرم المسلمون الحكم فيها عقب وفاته صلّى اللّه عليه وسلم ، دون أن يستلزم ذلك أي تفرق أو شقاق بينهم من وراء حدود المذاكرة والمناقشة التي لا بدّ منها . وظل كل من أبي بكر وعلى رضي اللّه عنهما مظهرا ولسانا ناطقا بفضل الآخر . ولا ريب أن من تافه القول والعمل أن نعمد بعد مرور ما يقارب أربعة عشر قرنا على ذلك التاريخ فنضيع الوقت ونستثير الشحناء والبغضاء ، في سبيل القول بأن هذا كان أولى بالخلافة أم ذاك ، مع أن أصحاب العلاقة أنفسهم لم يقم بينهم أي شقاق من هذا القبيل ، وما مضوا للقاء ربّهم إلا وهم ينبضون بقلب واحد حبّا وتضامنا . رابعا - النهي عن اتخاذ القبور مساجد : ولقد رأيت من صيغة الحديث الدّال على ذلك شدة النهي والمبالغة في التحذير من الإقدام على هذا العمل . قال العلماء : « وإنما نهى النّبي صلّى اللّه عليه وسلم عن اتّخاذ قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به ، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية » . وتتحقق صورة النهي عنه بأن يشاد فوق القبر مسجد فيصبح ما حول القبر مصلى بذلك للناس ، أو بأن يصلّى عند القبر وأن يتخذ مسجدا . والعلماء في حكمهم على الصلاة عند القبور ، بين محرم ومكره ، والذين قالوا بالكراهة شددوا بها عندما تكون الصلاة إلى القبر ، أي بأن يكون القبر بين المصلي والقبلة ، ولكنها صحيحة على كلّ ، لأن الحرمة لا تستلزم البطلان . فيكون حكمها كحكم الصلاة في الأرض المغصوبة . قال الإمام النووي : « ولما احتاج الصحابة رضوان اللّه عليهم والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين كثر المسلمون ، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيها ،